حيدر حب الله
76
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
خلق هذه الأمة ، فكأنه يريد القول : إنكم كنتم عند الله أو في اللوح المحفوظ أو في الكتب السابقة أو . . . بهذه الصفة ، فهذا إخبار فيه بشارة . والجواب : إنّ هذا الوجه يفترض تقديرات لا دليل عليها ، فيرد عليه ما أوردناه على سابقَيه . الوجه الخامس : وهو عين الوجه الذي ذكره التستري ، من أن المقصود أنهم كانوا كذلك في الماضي دون المستقبل . لكن لاحظ الشريف الرضي على هذا الكلام - الذي اعتبره تخليطاً - أنه يصحّ لو نزلت الآية بعد وفاة النبي وفي الأزمنة اللاحقة ، لكنها نزلت في عصر النبي ، وقد كان المسلمون متمسّكون بدينهم آنذاك « 1 » . وبصرف النظر عن جواب الرضي الذي قد يجد بعضٌ له جواباً فيما يتصوّرونه من التاريخ الذي يصوّر مجتمع الصحابة حتى في العصر النبوي منحرفاً ، فلا يكون ملزماً حينئذٍ ، يلاحظ أنّ الخطاب في هذه الحال سيكون فيه ذمّ أو تعريض بالمسلمين من حيث إنهم كانوا متصفين بصفة الإيمان والأمر والنهي أما الآن فليس كذلك ، مع أن السياق - بقرينة مقابلة الحديث عن أهل الكتاب - هو سياق مدح وليس سياق ذم ، أما إذا قصد هنا حصول الانحراف بعد وفاة النبي فلا يصحّ من الآية التعبير ب - « كنتم » على نحو الماضوية ، والمفروض أنها نزلت في فترة صلاحهم لا انحرافهم ؛ فهذا التفسير غير صحيح . الوجه السادس : أن يكون المقصود : أنتم خير أمة « 2 » . . وكأن ( كان ) هنا غير موجودة ، شبه ( كان ) الزائدة ، وتفيد ( كان ) في هذه الحال الاستمرارية ، فبدل قولنا : الله غفور رحيم ، نقول : وكان الله غفوراً رحيماً ، أي أن مغفرته ثابتة له على نحو الاستمرار . ويستشهد لوقوع مثل هذا النوع في القرآن بقوله تعالى : ( وَاذْكُرُوا إِذْ
--> ( 1 ) الشريف الرضي ، حقائق التأويل : 219 - 220 . ( 2 ) انظر : العيني ، عمدة القاري 2 : 97 .